المقريزي
130
المقفى الكبير
يحضرون القضاة إلى مجالسهم ، فبعث إليه عبد اللّه بن المسيّب يأمره بالحضور إلى مجلسه فقال : لو كنت تقدّمت إليك في هذا لفعلت وفعلت يا كذا وكذا ! - فانقطع حضور القضاة مجلس الأمراء من يومئذ . واتّخذ أيضا قوما من أهل مصر للشهادة ورسمهم بها ، وأوقف سائر الناس ، فوثبوا به ووثب بهم فشتموه وشتمهم . وكان منه هنات إلى أشرافهم . وخوصم هاشم بن حديج إليه فقال له : إنّما أنت من [ 124 أ ] السّكون ولست من الملوك . فقال له هاشم : ليس لهذا حضرنا . واللّه لا حضرت مجلسا لك أبدا ! ومن تظلّم إليك منّي فأعده عليّ واقض له في مالي بما يرغبه . وكانت أموال اليتامى والأوقاف والغيّب تردّ إلى بيت المال منذ زمن أبي جعفر المنصور إلى زمن الرشيد . فلمّا ولي محمد بن مسروق وتحامل على الناس ، أساءوا عليه الثناء والذكر ، وأشاعوا عليه أنّه عزم على حمل ما في بيت المال من هذه الأموال إلى هارون الرشيد ببغداد فقام أبو إسحاق الحوفي ونادى بالمسجد الجامع ودعا على محمد بن مسروق ، فأحضره ابن مسروق وناله بمكروه . فزاد أهل مصر في مقته ، فعند ما أكثر أهل المسجد في ذمّه وقف على باب المقصورة ونادى بصوته : أين أصحاب الأكسية العسليّة ؟ أين بنو البغايا ؟ لم لا يتكلّم منهم متكلّم بما شاء حتّى يرى ويسمع ؟ فما تكلّم أحد بكلمة . وكان القضاة بمصر لا يقضون على النصارى بالمسجد ، وإنّما يجعلون لهم يوما في منازلهم . وأوّل من أدخلهم المسجد محمّد بن مسروق . وكان هارون بن سليمان بن عياض القرشيّ يتكلّم في طائفة معه في العصبيّة ، فأرسل إليه محمد بن مسروق يوما : ما يؤمّنك أن أكتب فيك إلى أمير المؤمنين بما تضرب به بين الناس ؟ - ثمّ أخذ جمعا من جلسائه فضربهم وطاف بهم . ثمّ إنّ ابنه محمّدا قدم عليه ففضحه : وذلك أنه كان يأتي [ إلى ] من عنده مال من الودائع ، فيقول : أعطنيه حتى أتجر فيه وآخذ الفضل ! - فتلف على يديه شيء كثير . وكان الناس قبل قدوم ابنه لا يكادون يتعلّقون عليه بشيء فوجدوا به السبيل إلى الطعن عليه . ولم يكن قبله لقضاة مصر قمطر ، وإنّما كان كاتب القاضي يحضر ومعه الكتب في منديل ، فأوّل من جعل له القمطر بمصر محمد بن مسروق ، وكان يختم القمطر ويودعه ، فإذا جلس أحضره . وكان يروح [ إلى الجمعة من دار أبي عون ] بالموقف إلى المسجد ماشيا . وخوصم إليه عبد الرحمن وكيل السيدة زبيدة بنت جعفر ابن أبي جعفر المنصور ، امرأة الرشيد ، فأمره بإحضاره ، فجلس مع خصمه متربّعا فأمر به فبطح وضرب عشرا ، فبغاه إلى مولاته زبيدة . وتشدّد أيضا على عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف [ فخافه ] فشخص من مصر إلى الرقّة وبغاه ورفده القرشيّون هناك . وكلّم فيه أبا البختريّ حتّى عزله . فلمّا بلغه العزل خرج من مصر [ 124 ب ] قبل أن يقدم الذي استقضاه أبو البختريّ ، واستخلف على مصر إسحاق بن الفرات ، غضبا عليهم ، وذلك سنة أربع وثمانين - وقيل : سنة خمس وثمانين - ومائة . ويقال : إنّه مات فيها . سئل عنه أبو زرعة فقال : شيخ حدّث عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل عن سعيد بن زيد